المقريزي

282

المقفى الكبير

غزيرها ، طويل الصمت ، دائم الحزن ، كثير الفكرة ، شديد التأوّه ، ما رأيت أخشع منه ، ولا تراه أبدا إلّا مطرقا ضاربا بعينيه الأرض ، لا يمازح أحدا ، ولا تأخذه في اللّه لومة لائم ، لا يداري ولا يماري . ابتلي بالفقر والضرّ فصبر ، له شأن عجيب وهمّة رفيعة . كنت أتعشّق به ، وأنا صغير ، عند الذي كنت أقرأ عليه القرآن ، كان جارا لنا ، وكان إذا دخل المسجد هابه كلّ من يراه . وما عاينته قطّ يكلّم أحدا مبتدئا ، ولا يجيب إذا كلّم إلّا في الضرورة ، يحفظ دينه . [ 251 ب ] ولمّا رجعت إلى هذه الطريقة فرح بي ، ولزمته ملازمة طويلة ، وانتفعت بآدابه ، وأخذت من خلقه . وكان يحتمل الأذى ويكفّ جفاءه ، صدوق الرؤيا ، كثير النجوى ، ليله قائم ، ونهاره صائم ، لا تجده فارغا قطّ ، يحبّ العلم وأهله . قد اجتمعنا أربعة ، أنا وهو وأخوه ورابع لنا على السواء في كلّ ما يفتح اللّه به علينا ، فلم أر أيّاما قطّ في عمري أحسن من تلك الأيّام : رأيت من همّته أنّه كان بين منزلي ومنزلهم بعد كبير ، فأذّن بالعتمة ، وقد وجدت في خاطري الانزعاج في الوصول إليه ، والرجوع إلى منزلي - الأمران معا - فحرت كيف أجمع بين الخاطرين ، وكنت أعمل على أوّل الخاطر ، فاشتددت إليه عدوا إلى أن دخلت عليه ، فوجدته واقفا في وسط الدار يستقبل القبلة ، وأخوه أحمد يتنفّل ، فسلّمت عليه ، فتبسّم وقال لي : ما الذي أبطأ بك ؟ قلبي متعلّق بك ، عندك شيء ؟ - وكان في جيبي خمسة دراهم فدفعتها له ، فقال : جاءني فقير يقال له علي السلاوي ، وما عندي شيء . ورجعت اشتدّ عدوا إلى موضعي ، وكان يخدم الفقراء بنفسه ويؤثرهم باللّباس والطعام . وكان رحيما رؤوفا عطوفا ، شفيقا رفيقا رقيقا ، يرحم الصغير ، ويعرف شرف الكبير ، يعطي كلّ أحد حقّه ، له الحقّ على الناس ، وليس عليه لأحد حقّ ، إلّا للّه ، على هذا فارقته وعلى هذا وجدته ، جمع اللّه بيني وبينه في عافية . وذكره الصفيّ حسين بن عليّ بن أبي المنصور فقال : كان على وجهه نور ، لا يخفى عن أحد أنّه وليّ . فسألنا الشيخ - يعني أخاه أبا العبّاس - عن ذلك فقال : نفح النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في وجهه فأثّرت النفحة هذا النور . وكان أعطي إجابة الدعوة ، وأعطي شيئا من المحبّة . قال الشيخ أبو العبّاس : كنت أبيت بالليل ، وبيني وبين أخي سقف ، فكنت أسمع خفقان قلبه من تحت السقف . ولمّا أدركه الموت قال لأخيه أبي العبّاس : يا أخي ، متّ . قال له : غاب الوجود ؟ قال : لا . قال : فما متّ . فأخذ يناجي ربّه : يا ربّ ، ما تأخذني إليك ؟ إلى متى تبقيني في هذه الدار ؟ - وإذا هو تنهّد بلذّة طيّبة وقال : الحمد للّه ربّ العالمين ، يا أخي ، قد متّ . قلت له : غاب الوجود . قال : غاب الوجود . قلت : الآن ، متّ . قال أبو العبّاس : من حين حمد اللّه ، كان في الآخرة ، وكلّ ما قاله قاله بعد أن مات ، لأنّ الوجود لا يغيب إلّا بوجود الآخرة . فمات ، وجاء إليّ وأخبرني بما رآه منها ، على وفق ما كنت أخبرته . ( قال ) : ورأيت أخي بعد موته مضطجعا في قبره ، وقد نبت من عينيه وفمه